أضواء على إتفاق انسحاب القوات الأمريكية من العراق

( ما قبل الأتفاق وبعده)

د. إقبال ألفلّوجى

أولآ:مقدمة:حول أجواء التفاوض:

لامجال للشك بانعدام التوازن بين طرفين أحدهما طرف يمثل سلطة احتلال لها السيادة المطلقة والثانى طرف ناقص السيادة حسب قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة. بل أن الأوامر ألتى أصدرها (بريمر) والتى نشرتها الجريدة العراقية الرسمية (بصفة قوانين) كانت تستعمل صراحة تعبير؛ (بموجب الوصاية الممنوحة لى ..) علمآ بأن المادة 78 من ميثاق الآمم المتحدة تحرُم بشكل مطلق تطبيق نظام الوصاية على الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة. وحيث أن المبنى على الباطل باطل فأن كافة تلك القرارات من حيث المبدأ قابلة للطعن بها. ورغم تغيير بعض المظاهر فأن الجوهر واحد. مثل هذه الظروف لا يمكن إلا أن يقود ألى مثل نموذجىُ من المعاهدات غير المتكافئة. علما بأن معاهدة فينا لعام 1969 قد نصت فى المادة 5 ببطلان المعاهدات التى تعرٌض المفاوض فيها للأكراه بالفعل أو بالتهديد.

هذا هو إذن الموقف القانونى المحظ بالنسبة لهذا الأتفاق وما يمكن أن يُثار بشأنه. ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة. فبينما كان المرحوم نورى السعيد يكافح مكرها عام 1930 من أجل إبرام المعاهدة العراقية البريطانية لأنقاذ

محافظة الموصل ها هو التأريخ يكرر نفسه لنجد نورى المالكى فى موقف مماثل لايحسد عليه. ولا بدَ هنا من الموازنة بين الأعتبارات القانونية والمصالح الوطنية العليا.

لاجدال حول الضغوط التى تعرُض لها ألمفاوض ألعراقى بل أن الأبتزاز صارخ فيها . وتجسًد بعدة اساليب منها تستهدف المسئولين ومصيرهم وحمايتهم. ومنها تخص المصالح العليا للبلد (التهديد بأبقاء العراق تحت آحكام الفصل السابع من الميثاق .. التهدبد بتجميد الأموال.. ترك البلد ممزقآ وفريسة للأرهاب ألذى قدم مع الأحتلال).

*

أن الفقرة 4 من المادة الرابعة والعشرين من الأتفاق تنص على أن الولايات المتحدة تعترف (بالحق السيادى لحكومة العراق فى أن تطلب خروج القوات الأمريكية فى أىَ وقت . . وكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة ..) ترى ماذا تعنى هذه المادة؟ أهى مخرج للرئيس الأمريكى المنتخب أذا أراد تغيير سياسته حسب ما توحى تصريحاته؟ أهى أمكانية يمكن أن يحلم بها أى عراقىَ ليظهر مهارته بعد تخليص العراق من أغلال قرارات مجلس الأمن وفصله السابع؟ أما الولايات المتحدة فبأمكانها فعل ذلك ومتى شاءت مصالحها وأما العراق فعلم ذلك عند ربّى .. ولعلَها مجرّد أحلام.
*

ومع ذلك ونظرا للصعوبات الهائلة أمام أي توافق بين الأطراف السياسية ولدقة وخطورة أية مجازفة سلبا أو أيجابا تجاه مشروع الأتفاق (قبل تبنّيه) فأننا سبق أن اقترحنا للخروج من هذا المأزق ما يلى:
*

1) الموافقة على المشروع رغم مساوئه الكثيرة .
*

2) أصدار بيان برلمانى موازى يلزم أية حكومة عراقية بما يلى:
*

أن الموافقة على هذه الأتفاقية لا تعنى رضاء كاملا على بنودها.
*

أنما يجئ ذلك حرصا على المصالح العليا للوطن وعلى التوافق الوطنى.
*

وحيث أن المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة تنص على حلّ المشاكل بين الدول بالطرق السلمية وأن الفقرة الثانية من المادة الثانية لنفس الميثاق تؤكد على ضرورة احترام مبدأ حسن النية فى تطبيق الميثاق.
*

وحيث أن المادة 103 من ذات الميثاق تمنح الألتزام ببنوده الأولوية على أى اتفاق دولىّ آخر.
*

واستنادا ألى الفقرة 4 من المادة الثالثة والعشرين من الأتفاق والتى تنص على ما يلى:
*

”تعترف الولايات المتحدة بالحق السيادى لحكومة العراق فى أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة فى أىّ وقت…” فأن الحكومة العراقية ملزمة بمتابعة دقيقة لمدى احترام المصالح العراقية من خلال تطبيق ذلك الأتفاق خصوصاً فى أحترام السيادة الوطنية. وجدولة أنسحاب القوات الأجنبية وسلطان القانون والقضاء العراقى والتعهدات الخاصة بحماية الأموال العراقية. وتقوم الحكومة العراقية بتقديم تقرير دورى ألى البرلمان كل ثلاثة أشهر بهذا الشأن. آخذين بنظر الأعتبار الأختيارات الواردة فى الفقرة 4 من المادة الثالثة والعشرين المذكورة أعلاه.
*

_ تقوم الحكومة العراقية عند الأبلاغ بمصادقة العراق على الأتفاق بأبلاغ البيان البرلمانى (آو القانون المقترح) بشكل موازى للولايات المتحدة وللأمين العام للأمم المتحدة.

هذا ماكنا نحبٌذ ولكن المساومات بين الكتل السياسية قد رأت الخلط بين اعتباراتها الخاصة بها وضرورات تطويق مساوئ الأتفاقية. وكان من الأجدر الفصل بين الأمرين ولو بأبرام قانونين منفصلين. واستبعاد ما حصل من خلط لأمور لاصلة لموضوع الأتفاق بها.

ثانيا: تعقيبات حول بعض نصوص الأتفاق:

يبدو واضحا أن النص الأصلى للمشروع مدوٌن بالأنكليزية. وهو ما يعقٌد الفهم الدقيق لفحواه. وحيث أن كلا اللغتين معتمدتان فأن تفسير الأشكالات تزداد صعوبة عند مواجهة المشاكل فى المستقبل.

بعض الأمثلة:

المادة الثانية: تعريف المصطلحات:

جاء على سبيل المثال تعبير “المنشآت والمساحات” المتفق عليها”. لا أدرى كيف يمكن الأتفاق وفقا لمثل هذه التعابير؟. لقد ورد فى النص الأنكليزى ما يلى:

AGREED FACILITIES AND AREAS

ومن الواضح أن النص الأخير أكثر دقة من النص العربى الذى يستعمل تعبيرين غير دقيقين. والغريب أن الترجمة الفرنسية (المأخوذة من العربية) أكثر وضوحا من ذات النص العربى. هذا مجرًد مثال لمناسبة قد لا تبدو مسبّبة لجدل. ولكن كثرة مثل هذه الحالات خصوصا فى المناسبات الدقيقة لابد أن تؤدى لصعوبات مقبلة خصوصا أذا كان الغموض متعمٌدا وعند فقدان حسن النية.

_ وجاءت كذلك ألتعابير التالية:

”المتعاقدون مع الولايات المتحدة “والمستخدمون العاملون لدى المتعاقدين مع الولايات المتحدة”. “ثم تضيف المادة بأنهم” مواطنون أميركيون أو مواطنو بلد ثالث الموجودون فى العراق لتوفير السلع والخدمات “والأمن !!”

*

أن هذا الغموض والخلط بين آمور غير متجانسة يثير المخاوف خصوصا وأنه ٌقد يشمل الشركات الأمنية التى تصفها أتفاقيات جنيف بالمرتزقة الذين لا يتمتعون بضماناتها . . ثم من أيّ بلد جاء “مواطنوا بلد ثالث !!؟

_هناك تعابير لم ترد فى التعاريف, مثل: “اللجنة المشتركةالعسكرية” أو “اللجنة الوزارية المشتركة” ـ ترى ما هذه اللجان؟. وكيف يتمّ تشكيلها؟ وماهى صلاحياتها عند الأتفاق أو الأختلاف؟ ورغم ورودها فى المادة الثالثة والعشرين ونظرآ لدورها الأساسى كان من الضرورى تعريفها بشكل دقيق.

­_ المادة التاسعة: حركة المركبات والسفن والطائرات:

هناك خلط غريب ومعقَد بين صلاحيات الطرفين (أهو برئ أم متعمَد؟) وهو لاشك على حساب الطرف العراقى.

المادة العاشرة: أجراءات التعاقد:

من الواضح أن صلاحيات الأختيار مطلقة لصالح الأمريكان وبموجب القانون الأمريكى. بدون أىّ قيد حول الجنسية !!. بينما لها التعاقد “ما أمكن! مع مورّدين عراقيين! أوغيرهم..!!” والله أعلم من قد يكون غيرهم !!. علما بأن أحترام القانون العراقى مقصور فقط على “العقود المبرمة مع العراقيين”!! وما عدا ذلك فللولايات المنحدة “أن تبرم عقودا بموجب القانون الأمريكى” لوحده. كما وأن تعبير”احترام القانون العراقى” قد لا يعنى بالضرورة تطبيقه.

المادة الثانية عشرة: الولاية القضائية:

لاشك بأن هذه المادة تشكٌل معضلة أساسية فى هذه الأتفاقية فمن المعلوم أن الولايات المتحدة تصر ُمن حيث المبدأ على سيادة ولايتها القضائية بالنسبة لا لمواطنيها فحسب بل وغالبا ما تحاول شمولها حتى للمتعاقدين معها مهما كانوا (ومن ضمنهم بالطبع المتعاقدون الأمنيون. وهم المرتزقة حسب أحكام القانون الدولى الآنسانى) .. (البروتوكول الأول, 1977 مادة 47), ومن حسن الحظ أن الفقرة 2 من المادة المذكورة قد أخضعتهم للولاية العراقية (مع عدم استبعاد احتمالات الأبهام كما سنرى).

ولابد لنا هنا من إبداء بعض الملاحظات:

_ تنص الفقرة (1) من هذه المادة على ما يلى:

” يكون للعراق الحق الأولى لممارسة الولاية القضائية على أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدنى بشأن الجنايات الجسيمة والمتعمدة.. “وبدون تحديد لمعنى تلك الجنايات سيبقى الآمر غامضا (كيف يمكن أن تكون الجنايات جسيمة دون أن تكون متعمّدة ؟!). علما بأن اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها قد تطرقت لموضوع “الأنتهاكات الخطيرة” ولكنها حددتها فى نصوص واضحة. (البروتوكول الأول مادة 85 مشيرة لمواد أتفاقيات جنيف عام 1949).

_ بينما ثبتت ذات المادة من الأتفاقية مع الولايات التحدة فى الفقرة (3) الولاية القضائية المطلقة للولايات المتحدة بشأن “أمور تقع داخل المنشآت والمساحات المتفق عليها..”.

_ بل وأنها أضافت: “..وأثناء تأدية الواجب خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها ..”.

_ وفى الفقرة (5) من ذات المادة أشارت ألى ضرورة إخبار الولايات المتحدة فى حالة اعتقال أو أحتجاز أحد عناصرها المذكورة وتسليمه لها خلال (24) ساعة على أن تتولى بنفسها احتجازه وتقديمه لأغراض التحقيق والمحاكمة.

_ وحتى فى الحالة الأخيرة, لها وفق الفقرة (6) من ذات المادة أن تطلب من الطرف العراقى ألتخلى عن ولايته وفق إجرءآت غامضة.

والخلاصة فأن الولايات المتحدة قدحصلت على كل مطالبها بشأن احتكارها للولاية القضائية بالنسبة لكافة أفرادها. وتبقى مسألة الحماية القضائية لأفراد الشركات الأمنية (اى المرتزقة) مبهمة وخطيرة بالنسبة لحماية السكان المدنيين ولموقف القانون الدولى الأنسانى من مركزهم غير الشرعى. وفى ضوء الجرائم الخطيرة السابقة التى سبق أن أرتكبوها.

_ صحيح أن الفقرة الثانية من المادة الثانية عشرة قد نصت على الحق الأولىِِِِِِِِ للعراق “لممارسة الولاية القضائية على المتعاقدين مع الولايات المتحدة ومستخدميهم”. ومع ذلك فأن الأختلاط غير مستبعد بين تعبيرىّ “ألمتعاقدين ومستخدميهم” وتعبير “عضو العنصر المدنى” الخاضعين للولاية الأمريكية. وهؤلاء حسب تعريف المادة الثانية للأتفاق بأنهم “أى مدنى يعمل لوزارة الدفاع”. ألا يجوز إذن أن يدخل تحت قبّعة “العنصر المدنى” وفق هذا المفهوم أولئك الذين يعملون لدى وزارة الدفاع (مهما كانت صفتهم) ومستخدموهم لآغراض الأمن مثلا كما ورد فى إطار مهامهم وفق الفقرة المذكورة أعلاه وبحجة أنهم يعملون ضمن “العنصر المدنى”. بينما قد يكونون من بين المتعاقدين أو مستخدميهم لأغراض أمنية؟ (اى الشركات الأمنية أو المرتزقة حسب أحكام اتفاقيات جنيف وبرتوكولاتها كما سبق أن بيّنا)

المادة الرابعة والعشرون: أنسحاب القوات الأمريكية من العراق:

نصّت هذه المادة على لزوم انسحاب جميع هذه القوات من جميع الأراضى العراقية فى موعد لا يتعدى 31 كانون الأول عام 2011. وأن تنسحب “جميع القوات الأمريكية المقاتلة من المدن والقرى والقصبات العراقية في موعد لا يتعدى 30 حزيران عام 2009″.

هذه إذن نصوص ومواعيد واضحة. ومع ذلك فأنها تستدعى بعض التعقيب:

_ أنها بلا شك تنسجم مع الحسابات الأمريكية التى نجحت في التخفيف من الخسائر البشرية الأمريكية من جهة كما وأنها تتفق مع وعود الرئيس المنتخب بالأنسحاب من العراق خلال ستة عشر شهرا من جهة أخرى.

_ يبقى موضوع القواعد العسكرية الأمريكية معلّقا. ومن المستبعد أن تنوى الولايات المتحدة إخلائها. وقد تستدعى أتفاقا لاحقا حولها. علما بأن روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكى قد صرَح لتلفزيون (العربية) بتأريخ 12/12/2008 “بأنهم سيتعاونون مع العراقيين بعد عام 2011 وانسحاب القوات ضمن أتفاق جديد على أساليب التعاون وفق مصلحة الطرفين”.

_ أن الأعتراف المتبادل حول حق كل طرف فى طلب خروج أو إنسحاب تلك القوات (بموجب الفقرة الرابعة من تلك المادة) ليست له نتائج عملية نظرا لوجود فترات زمنية متقاربة.

_ يبقى بالطبع التساؤل الخطير حول مدى استعداد القوات العراقية لصيانة الأمن بعد الأنسحاب. أن سوابق الأنسحابات وفق المصالح الأمريكية لا تشجع على الأطمئنان. و إذن فأن هذا التحدّى سيظل واقعا حصرا على كاهل العراقيين. فهل نحن جديرون بتحمّل هذه المسئولية التأريخية؟

المادة الخامسة والعشرون: نظرة على تطبيقات الفصل السابع (قبل الأحتلال”2003″ وبعده), ومعالجة الأتفاق لأمره:

لم يكن التطرُق لهذا البند يحظى بأهمية لحد أمد قريب. ولكنه فجأة أصبح حديث الساعة على الصعيد الأعلامى والسياسى. بل أنه شغل بال الناس دون أن بفهموا معناه. وصار المسؤلون يكثرون من التطرُق إليه فى تبريراتهم لأبرام الأتفاق كما لو كان سيفا مسلطا على الرقاب. لكن بالنسبة للعراق لم يكن أبن الساعة فتأريخه شاق ومؤلم:

ألمرحلة الأولى تطبيق الفصل السابع منذ إحتلال الكويت:

من المعلوم أن ميثاق الأمم المتّحدة مبنىّ أساسا على نبذ الحروب وحلّ النزاعات بالطرق السلمية. وفى حالة تعذُر ذلك فعن طريق الوسائل الأستثنائية التى سمح بها الميثاق إذ من الممكن الرجوع إلى وسائل زجرية متدرجة بموجب الفصل السابع.

لقد جاء عنوان هذا الفصل كالتالى:

”فيما يتخذ من الأعمال فى حالات تهديد السلم والأخلال به ووقوع العدوان”

ومنذ احتلال الكويت وحتى اليوم والعراق رازح تحت هذا الفصل بذرائع وحجج متنوعة. لقد وجدت الولايات المتحدة من خلال هذا الفصل ومن هيمنتها على مجلس الأمن كعضو دائم يتمتع بحق الرفض كما شاء فرصة ذهبية للتعامل مع القضية العراقية بمراحلها المتعاقبة. ولاشك أن تصرفات المسئولين العراقيين فى بعض هذه المراحل قد سهَلت مهمة الأستراتيجية الأمريكية.

لقد بدأ هذا الدرب الشاق والمؤلم والمرير كالتالى:

_ جاء أولا قرار مجلس الأمن المرقم 660 (2 آب 1990) وبموجب المادتين 39 و40 من الفصل السابع ليدين الأحتلال العراقى للكويت مع المطالبة بالسحب الفورى وغير المشروط للقوات العراقية والبدأ بمفاوضات بين البلدين لحلّ منازعاتهما. ويلاحظ أن المجلس وإن تصرّف وفق الفصل السابع إلا أنه لم يشر صراحة إلى وصف العراق بأنه يهدد السلم والأمن الدولى وأنه سيبقى خاضعا لهذا الفصل كما سيفعل فى قرارات مقبلة.

_ وفى 9 آب 1990 صدر القرار 661 وتمّ بموجبه فرض عقوبات أقتصادية على العراق مع تأسيس “لجنة العقوبات” للأشراف على تطبيق القرار. علما بأن القرار قد نص صراحة على صدوره بموجب الفصل السابع.

_ وفى 12 آب 1990 صدر القرار 662 ونص على أن ضمَ الكويت للعراق باطل وغير شرعى.

_ وفي 18 آب 1990 صدر القرار 664 فارضا إجازة مواطنى الدول الأخرى للخروج من الكويت والعراق. وعاملا بموجب الفصل السابع.

_ وفى 25 آب 1990 صدر القرار 665 مجيزا القوات البحرية لإتخاذ الأجراءات اللازمة حسب الظروف. ووفقا للفصل السابع.

_ وفى 13 سيبتمر 1990 صدر القرار 666 وهو يخالف بشكل فاضح أحكام القانون الدولى الأنسانى إذ بينما يشير لأحكام أتفاقية جنيف الرابعة فأنه يخرق ذات الأتفاقية. حيث تنص المادة 23 من هذه الأتفاقية على إلزام أطراف النزاع بضمان المرور الحر لشحن المواد الطبية والغذائية. وبينما تمنع المادة 54 من البروتوكول الأول لعام 1977 أستعمال التجويع ضد السكان المدنيين, وإذا بالقرار 666 لا يبيح التزوُّد بالمواد الغذائية إلا لأسباب أنسانية وفى الحالات العاجلة. إن هذا الخرق للقانون الدولى الأنسانى قدسبّب كوارث إنسانية هائلة راح ضحيتها الملايين. ولامجال لنكران مسئولية مجلس الأمن ومن دفعه لأصدار هذا القرار بشأنها. هذه جريمة هائلة ضد الأنسانية وللتأريخ لابد من تسجيلها. علما بأن القرار صادر بموجب الفصل السابع.

_ وفى 16 سيبتمبر 1990 يدعو مجلس الأمن العراق لتحرير المواطنين الأجانب بشكل عاجل الذين قبض عليهم فى المكاتب الديبلوماسية فى الكويت والعراق.

وقد صدر القرار وفق الفصل السابع.

_ وحول بعض الدول التى طلبت مساعدات بسبب أضرار ادٌعت حصولها لها بسبب تطبيق العقوبات. صدر القرار 669 فى 24 سبتمبر 1990.

_ وصدر القرار 670 حول ضرورة تطبيق العقوبات على العراق حتى بالنسبة لوسائل النقل ومن ضمنها الطائرات. وذلك وفق الفصل السابع. كما أكٌد القرار على تجميد الأموال العراقية وحماية أموال الكويت (مؤكدا القرار 661)

_ وصدر القرار 674 فى 29 أكتوبر 1990 الذى يلزم العراق بتحرير المواطنين الأجانب المحجوزين فى العراق والكويت. ووفقا للفصل السابع.

_وبموجب القرار 677 فى 28 نوفمبر 1990 شجب مجلس الأمن محاولات العراق تغيير التركيب السكانى فى الكويت, بموجب الفصل السابع.

_ وجاء القرار الحاسم والشهير رقم 678 فى 29 نوفمبر 1990 والذى خوّل استعمال كافة الوسائل الضرورية (ومن ضمنها أستعمال القوة) لتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الشأن. ووفقا للفصل السابع.

المرحلة الثانية: تطبيق الفصل السابع بعد إنتهاء الأحتلال (للكويت):

_ لقد جاء القرار 686 في 2 مارت 1991 ليشير إلى كتاب طارق عزيز المؤرخ فى 27 فبراير 1991 والذى يبلٌغ فيه بشكل رسمى قبول الحكومة العراقية للقرار 660 ولكافة قرارات مجلس الأمن (أى 12 قرار) ذات الشأن. وليأخذ ألمجلس علما بوقف العمليات العسكرية والهجومية. وذلك وفق الفصل السابع.

_وفى 3 نيسان 1991 صدر القرار الشهير رقم 687 حول وقف إطلاق النار وشروطه التى أثقلت كاهل العراق بشكل هائل (وبالطبع بموجب الفصل السابع)

_ فرض القرار نشر فرق المراقبين الدوليين. ووضع أحكاما لترسيم الحدود بين العراق والكويت. ورفع وتدمير الأسلحة العراقية ذات ا لتدمير الشامل. ووضع تدابير لمنع إعادة صنعها . وذلك تحت إشراف لجنة خاصة وبالتعاون مع المدير العام للجنة الدولية للطاقة الذرية. كما قرر إنشاء صندوق للتعويضات عن الأضرار والخسائر المباشرة نتيجة لاحتلال الكويت من قبل العراق.

_ لقد فرض هذا القرار أعباء عانى منها العراق وما زال وقد تحمّل القسط الأعظم منها الشعب العراقى رغم تكرار مسئولى الدول التى قادت الحملة لأخراج الجيش العراقى من الكويت أن الشعب العراقى غير مسئول عن الأحتلال. ولكن رغم ذلك فقد أصرّت هذه الدول بقيادة الولايات المتحدة على فرض إجرءآت لم تستهدف الحكام العراقين بقدر استهدافها للجماهير التى تعترف ببرائتها بل أدت إلى استغلال الحكام لها والأستفادة منها.

_ من الجدير بالملاحظة أن الكتاب الذى جرى بموجبه إبلاغ موافقة العراق على القرارات الخاصة بالأنسحاب من الكويت (أى من 660 ألى 678) قد تمّ توقيعه من قبل طارق عزيز (بصفته نائب رئيس الوزراء) وتضمّن موافقة مطلقة بدون آىّ تحُفّظ (بتأريخ 3 مارت 1991). بينما جاءت الموافقة على القرار 687 بتوقيع أحمد حسين وزير الخارجية العراقية فى حينه وهى تتضمن انتقادات وتحفظات واضحة. وقد ختمها بجملة بالغة الأهمية. حيث قال: بأن “لبس للعراق خيار آخر غير الموافقة على القرار المذكور!” (بتأريخ 6 نيسان 1991). إن هذا التحفّظ فى غاية الآهمية لأنه يثبٌت الأكراه بينما تجنب طارق عزيز نائب الرئيس السابق إدراج أى تحفّظ أو إنتقاد مثيل وهو ما يدعو للأستغراب!.

_ وأصدر مجلس الأمن قراره المرقم 688 طالبا من العراق وضع حدّ لانتهاكاته ضد السكان المدنيين فى عدة مناطق من العراق وألحَ على السماح للمنظمات الأنسانية للوصول الفورى لكل المحتاجين إلى مساعدات. وقرر إبقاء الموضوع ضمن اختصاصه.

_ وفى 20 مايس 1991 أصدر مجلس الأمن قراره المرقم 692 لأنشاء لجنة الأمم المتحدة للتعويضات. ونص على إبقاء الموضوع ضمن أختصاصه وضمن الفصل السابع. وسوف نعود للموضوع عند معالجة مسألة الأموال العراقية. علما بان الأمين العام للأمم المتحدة قد اقترح اقتطاع مبلغ لايزيد على 30 % من موارد البترول العراقى ومنتجاته النفطية.

_ وأصدر المجلس قراره المرقم 699 فى 17 حزيران 1991 حول إلزام العراق بتحمُل كافة النفقات الخاصة ببرنامج تدمير الأسلحة. وذلك وفق الفصل السابع.

_ ثمّ جاء القرار المرقم 706 والمؤرخ فى 15 آب 1991. وهو الذى يسمح بتصدير المنتجات النفطية من العراق خلال فترة ستة أشهر من أجل تمويل عمليات الأمم المتحدة وفقا لقرار المجاس رقم 687, وتخصيص جزء منها للمواد الطبية والغذائية الضرورية وفقا للفقرة 20 من القرار 687. وقد صدر القرار وفقا للفصل السابع.

_ وألزم مجلس الأمن العراق بموجب قراره المرقّم 707 بأن يقدم تقريرا كاملا حول برامج أسلحته. طبقا للقرار 687 والسماح للهيئة الخاصة للجنة الطاقة الذرية ولفرق التفتيش بأن تدخل بدون شروط ولا تقييدات لكافة الآماكن التى تريد تفتيشها.

_ وفى 19 أيلول عام 1991 صدر القرار 712 الذى يسمح (بحدود 1,6 مليار دولار) ببيع النفط العراقى وبأجازة إطلاق هذه الأموال لتوفير الحاجات الضرورية للسكان المدنيين. وقدصدر القرار وفقا للفصل السابع. هذا هو إذن القرار الشهير والمدعو “بقرار النفط مقابل الغذاء”. وسنعود إليه فيما بعد. وفى 21 أكتوبر 1991 أيّد المجلس فى قراره 715 تقريرى كل من الأمين العام وألمدير العام للجنة الطاقة الذرية حول أعمال اللجنة الخاصة بالتفتيش عن الأسلحة المحرّمة. وأكد على ضرورة احترام العراق لالتزاماته حول الموضوع ومشيرا لتطبيق الفصل السابع.

_ وتنفيذا للفقرات 2_4 من القرار 687 والقرار 689, صدر القرار 773 لعام 1992 بخصوص الحدود مع الكويت حول ما أسماه ب “المهمة التكنبكية الضرورية لتأشير الحدود” مدعيا عدم الخروج عن هذه المهمة. ولكن القرار قد تدخل فى الموضوع السيادى (أى ترسيمها وليس تاشيرها) فقط وهو الأمر الذى لا بدّ من اتفاق الدولتين المتجاورتين حوله. ولم يسبق لمجلس الأمن أن مارسه بالنسة لقضايا الحدود بين دول أخرى. ولأجل تجنيب أجيالنا من كوارث الماضى لابدّ من معالجة هذا الموضوع بروح موضوعية وبأجواء بعيدة عن الضغوط.. ولا شك فى أن مجلس الأمن قد تجاوز صلاحياته فى هذا الموضوع وقد تدٌخل فى أمور لابد أن تثير المشاكل فى المستقبل. إذ لابد أن يشعر العراقيون بأن اجواء حسم هذا الموضوع لا تخلو من فرض وإكراه (مشكلة تقسيم أم قصر ونزع المرفأ القديم.. موضوع آبار النفط فى الرميلة.. إمتناع ممثلى العراق عن حضور أغلب إجتماعات اللجنة المختصة..مشكلة إجلاء المزارعين العراقيين.. ألشعور باستغلال ظروف دحر الجيش العراقى وانسحابه من الكويت لفرض شروط غير مقبولة.. إلخ). وتفاديا للمشاكل فى المستقبل بعد ما عانته شعوبنا من كوارث. نرى من الأولى (بعد أن يحسم العراق أولوياته الحالية) أن تتفق الدولتان على إحالة هذا الموضوع على محكمة العدل الدولية فى لاهاي والقبول بكل ودٌ ومسئولية لحكمها. خصوصا وأن هناك سوابق مماثلة فى هذا الصدد.

المرحلة الثالثة: تطبيق الفصل السابع: منذ الأحتلال (للعراق):

لقد أقرَت الولايات المتحدة والدول المحتلّة المتحالفة معها انها دول محتلة اعتبارا من ا/ مايس/ 2003 حينما صرَّح بوش بانتهاء العمليات العسكرية الرئيسية:

Major (combat opérations)

واستنادا لرسالة موجهة لرئيس مجلس الأمن من قبل كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وأيرلندة الشمالية بتأريخ 8/ مايس/2003 إعترفت فيها “بممارسة السلطات والمسئوليات والألتزامات باعتبارهم سلطات أحتلال تتصرف تحت قيادة موحدة وفقا للقانون الدولى المطبَق”, فقد صدر القرار رقم 1483 عام 2003. علما بانه شدَد على أحترام أحكام القانون الدولى ولاسيَما إتفاقيات جنيف لعام 1949. ولكنه بعين الوقت تضمَن نصوصا مهمة لا تتفق مع تلك الأتفاقيات.

_ من المستغرب_ بدأ بهذا القرار _ أن المجلس لا يكتفى بالنص على استمرار خضوع الموضوع للفصل السابع ولكنه يضيف إلى أن “الموقف فى العراق مازال يهدد السلام والأمن الدولى”!. يجيئ ذلك بالنسبة لبلد واقع تحت الأحتلال وسلطاته التى تتحمّل مسئولية إقرار الأمن فيه وفقا للقانون الدولى وما تعهدت به ذات الدول فى نفس القرار, حيث جاء فى الفقرة 4 منه التزام المحتلين “بضمان إدارة فعالة.. من أجل تحقيق الأمن والأستقرار ومن أجل تحقيق الظروف التى تسمح للشعب العراقى لأرساء مستقبله السياسى بشكل حر”. من الغريب إذن وضع مثل هذا النص بالنسبة لتهديد الوضع فى العراق للأمن والسلام الدولى بعد أن استبيحت حدوده وأصبح لا حول له ولا قوة.

_ والأنكى من ذلك أن المندوب الأمريكى بريمر قد أصدر القرار رقم (1) والمنشور بالجريدة الرسمية ومنح نفسه بموجبه “كافة الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية” “..وفقا لقرارات مجلس الأمن!” التى يقوم بانتهاكها بالأضافة لانتهاك أتفاقية لاهاى لعام 1907 ولاتفاقيات جنيف لعام 1949. واستمرارا لأسلوب التحدّى واالأنتهاكات, وعلى سبيل المثال, أصدر بريمر قراره رقم 39 بألغاء قانون الأستثمارات الأجنبية, والقرار رقم 37 بخصوص الضرائب. وكل ذلك خلافا للمادتين 43 و 48 من اتفاقية لاهاى. كما وأنه أصدر قرارا برقم 17 منح بموجبه الحصانة القضائية الى قوات التحالف والمتعاقدين معها (أى المرتزقة), خلافا لأحكام القانون الدولى. بكل موضوعية إن أساس كل هذه القرارات باطل والمبنى على الباطل باطل. ولا أدرى كم من هذه القرارات مازالت مطبقّة فى العراق رغم ما يشوبها من عيوب فاضحة.

_ ومع ذلك فمن الجدير بالذكر أن قرار مجلس الأمن (1483) قد جاء ببعض الأمور الأيجابية:

_ فقد أنهى الحصار على العراق ما عدا السلاح. ولكنه من ناحية أخرى بالنسبة للنقطة الأخيرة قد أبعد أية إمكانية لتسليح الأجهزة الأمنية وهو ما وفََر فرصة ذهبية لانتشار الأرهاب (فقرة 10).

_ أبدل برنامج “النفط مقابل الغذاء” بنظام آخر سرد تفاصيله. ولكن لم يتحقق التأكُد من فعاليته ونزاهة تطبيقه (فقرة 16).

_ حقق حصانة دولية للنفط وللمنتوجات النفطية وللغاز ولأموال صندوق التنمية العراقى.

_ جمًد كل الأموال والأصول بكل أشكالها التى أخرجت من قبل صدام حسين وعائلته والمسئولين الكبار فى النظام السابق ومهما كانت الصفة أو الجهات التى اختفت وراءها.

هذه إذن السلبيات وبعض الأيجابيات فى هذا القرار الخطير والذى شكَل فيما بعد ركيزة أساسية لقرارات مهمة لاحقة تضاعف الضغوط على العراق وفقا للأستراتيجية الأمريكية.

ومع ذلك وبالنسبة للنقطتين الأخيرتين (حول حصانة النفط والغاز وتجميد الأموال) فأننا سنلاحظ أن تجديدها الدورى فى قرارات لاحقة سيكون أداة ضغط على المفاوض العراقى عند إبرام الأتفاق. إذ عليه الأختيار بين التوقيع أو تعريض الموارد والأموال العراقية للمخاطر.

_ لقد جاء القرار رقم 1511 فى 16 أكتوبر عام 2003 مؤكدا ومكمّلا للقرار

1483, فكرر بشكل غريب أن “الموقف فى العراق مازال يهدد السلام والأمن الدولى, بينما يناقض نفسه (وفى ذات القرار), حيث ينص فى الفقرة 13 أنه يجيز للقوات” متعددة الجنسيات والعاملة ضمن قيادة موحدة أن تتخذ كافة الأجرءآت الضرورية للعمل على حفظ الأمن والأستقرار فى العراق”. أى أنه يؤكد مسئولية تلك القوات الدولية فى حفظ الأمن والأستقرار. وبالطبع فهو يكرر خضوع الموضوع لأحكام الفصل السابع. كما وأنه يقرر النظر بعد سنة للحاجة إلى تمديد مهام القوات متعددة الجنسيات لفترة جديدة.

_ وفى 24 نوفمر 2003 جاء القرار 1518 لينشئ لجنة خاصة من أعضاء المجلس لأكمال إحصاء الأشخاص والكيانات المشار إليها فى الفقرة 19 من القرار 1483 مع صلاحية تغيير القائمة وفقا للأعتبارات الجديدة.

القرار 1546 لعام 2004:

وهو يستند بشكل خاص لطلب رئيس الحكومة العراقية لتجديد مهام قوات التحالف لفترة جديدة. ويكرر كعادته أن الموقف فى العراق مازال يهدد السلام والأمن العالمى ويخضع للفصل السابع.

ومن الجدير بالأهتمام أنه في فقرته (11) يشير إلى ترتيبات جارية من أجل إقامة شراكة فى النواحى الأمنية بين الحكومة العراقية “ذات السيادة والقوات الدولية.. وأن الحكومة العراقية مؤهلة بتخصيص قوات أمن عراقية لتعمل مع القوات الدولية فى العمليات العسكرية”.

وأشاد بعين الوقت بموقف الدول التى قررت تخفيض ديون العراق (ولاسيٌما دول نادى باريس), ودعا الدول الأخرى بأن تحذو حذوها.

القرار 1790 فى 18 ديسمبر 2007:

هذا هو القرار الذى يتخذه المجلس لتمديد مهام قوات التحالف لمدة سنة أخرى أى لنهاية عام 2008 .وذلك بناء على طلب رئيس الحكومة العراقية الذى أوضح فى كتابه المؤرخ فى 7/ 12 /2007 ما يلى:

1) إن العراق يطلب التمديد لسنة جديدة وللمرة الأخيرة.

2) تكون الحكومة العراقية مسئولة عن قرارات التوقيف والحجز. “وحينما تتمُ مثل هذه الممارسات من قبل قوات التحالف فسيكون ذلك بكامل التنسيق والتعاون والتفهُم! من قبل الحكومة العراقية !!”

3) تود الحكومة العراقية إعلام المجلس بأنها “قد وقََعت إعلان مبادئ مع الولايات المتحدة. من أجل إقامة علاقات تعاون وصداقة” ولا تتوفر لدينا أية معلومات حول فحوى هذا الأعلان وهل تمَ عرضه على مجلس النواب؟

4) كما وطلب إعادة النظر بما يدفعه العراق للجنة التعويضات بنسبة 5 % من موارده البترولية.

جاء فى قرار المجلس بأنه قد أخذ بنظر الأعتبار ما ورد بهذا الكتاب لاسيَما طلب التمديد. كما وأنه أخذ علما “بكل الأهداف الواردة فى الرسالة. ولاسيَما إبلاغها بأنها تطلب التمديد للمرة الأخيرة”. كما وأن القرار قد أشار إلى ما جاء فى كتاب رئيس الحكومة العراقية حول التوقيع على “إعلان المبادئ بشأن علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد, كما ذكرنا”.

ولم يتردد المجلس حتى فى هذه المرة الأخيرة ورغم تأكيده حول التقدُم “الذى حققته قوات الأمن العراقية.. من أجل ضمان الأمن فى البلاد” من العودة للتأكيد “بان الموقف فى العراق ما زال يهدد السلام والأمن

الدولى”. وخضوعه بالطبع للبند السابع.

كيف إذن عالج الأتفاق معضلة الفصل السابع وأعبائه؟

من خلال استعراضنا السريع للبنود الرئيسية فى قرارات مجاس الأمن حول إخضاع العراق للفصل السابع (أى منذ قراره 661 بعد احتلال الكويت) نود التنويه إلى أن المجلس كان يشير إلى الفصل السابع فقط دون عبارة “تهديد العراق للأمن والسلم الدولى”. ولكن مما يثير الأستغراب أن قراراته صارت تركّز على هذا النص منذ انسحاب العراق من الكويت وبعد تدمير وحلٌِِِ قواه العسكرية والأمنية. فإذا كان بالأمكان الأحتجاج بوجود تلك القوات فى حينه لتمرير مثل هذه العبارة, فيصبح من غير المعقول تأكيدها بالنسبة لبلد خائر القوى ومستباح من قبل قوات وجهات أجنبية ومجاورة, خارجية وداخلية, وهو غير قادر على حماية أمنه وسلامته. فكيف يكون مهدٌدا للأمن والسلم العالمى؟

النص الخاص بالأتفاق حول إنهاء الفصل السابع: المادة الخامسة والعشرون:

لم يكد يمر على قرار المجلس سالف الذكر (رقم 1790 في 18/ 12/ 2007) إلا أقل من سنة حتى يأتى التصديق على “اتفاق انسحاب القوات الأميركية من العراق” لينص فى مادته الخامسة والعشرين “على أن الخطر الذى كانت تشكله حكومة العراق على السلام والأمن الدولى قد زال!!”

ثم تضيف المادة بأن “الطرفين يؤكدان فى هذا الصدد أن مع إنهاء العمل بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسيات بمقتضى الفصل السابع المتضمن القرار 1790 (2007) ينبغى أن يستردً العراق مكانته القانونية والدولية التى كان يتمتع بها قبل قرار مجلس الأمن رقم 661 (1990), ويؤكدان كذلك أن الولايات المتحدة يجب أن تساعد العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر عام 2008″. نلاحظ وجود اختلاف بين النصين العربى والأنكليزى (علما بأن النص الأخير هو الأساس لكافة

المسودات ولم يرد لعلمنا وجود مبادرات عراقية بتقديم أية مسودة لمشروع الأتفاق). وقد جاء النص الأنكليزى كالآتى:

“.. and that the United States should use its best efforts to help Iraq take the necessary to achieve this by December 31 2008”.

أن الترجمة الدقيقة لابد أن تفرق بين عبارة: “بذل أطيب الجهود لمساعدة العراق لكى يتخذ الخطوات الضرورية ..الخ” (حسب النص الأنكليزى), وعبارة “أن الولايات المتحدة يجب أن تساعد العراق..الخ..” كما هو وارد فى النص العربى. سيحسم المستقبل مثل هذه المفارقات الموجودة فى مناسبات أخرى. ويعتمد ذلك بالطبع على مدى حسن النية.

الأصول العراقية: المادة السادسة والعشرون:

وعدت الولايات المتحدة بموجب هذه المادة بأن “تضمن أقصى الجهود فى سبيل:

1)تقديم الدعم للعراق لأعفائه من الديون الدولية” الناتجه عن سياسات نظام الحكم السابق”.

2) التوصل إلى قرار شامل ونهائى بشأن “مطالبات التعويضات التى ورثها العراق من النظام السابق ولم يتم البت فيها بعد”. من المعلوم أن هذا الأمر يشير إلى المسألة الخطيرة المتعلقة بلجنة التعويضات التى أنشأها مجلس الأمن بموجب قراره المرقم 687 (3/ 4/ 1991), فقرة 18. إن موضوع هذه اللجنة وما تكبٌد العراق نتيجة قراراتها من أعباء فادحة ومسألة شرعّية تكوينها وأساليبها وإجرءآتها تحتاج لمزيد من التفصيل فيما بعد. وبقدر تعلُق الأمر بالألتزام الأمريكى وفق الأتفاق نود أن نشير إلى قصر التعهد على المطالبات التى لم يتم البت فيها بعد. ولكن من المعلوم أن المطالبات الفادحة والكبرى هي تلك التى تمّ حسمها. ومن المشروع تماما أن تثار مسألة مدى عدالة استحقاقها فى ظل ظروف لم يكن للعراق مجال للتمتع بضمانات قضائية عادلة.

3) يمارس رئيس الولايات المتحدة سلطاته الدستورية لتوفير الحماية القضائية لصندوق التنمية للعراق ولممتلكات أخرى معينة يمتلك العراق نصيبا فيها.

والخلاصة:

أولا: بالنسبة للجنة التعويضات لا بدٌ من التعمّق بمدى مشروعية لجنة مارست مهمة القضاء دون أن تحترم ضماناته ولا تتمتع بمقوماته (وسنأتى لذلك فيما بعد).

ثانيا: أما بالنسبة للديون الدولية فليس من الأنصاف أن يدفع العراق ديونا باهضة بسبب حربه مع إيران بتحريضه وبتمويله بتلك القروض لشراء الأسلحة من قبل تلك الدول المجاورة التى كانت تخشى التهديد الأيرانى فكان لها دور المساهم فى مراحل من تلك الحرب.

ثالثا: وعدت الولايات المتحدة بأن يمارس رئيس الولايات المتحدة سلطاته الدستورية لتوفير الحماية القضائية لصندوق التنمية للعراق ولممتلكات أخرى معينة يملك العراق نصيبا فيها.

رابعا: لابد من الأشارة أن القرار 1483 (مادة 23 / ب) قد قرر تجميد الأموال العراقية الموجودة فى حسابات الحكومة العراقية ومنظماتها ومؤسساتها وكذلك كل الموارد الأقتصادية, وتلك ا لمسجلة باسم صدام أو كبار المسئولين فى النظام السابق وأقاربهم ومقرَبيهم. وقد تمّ تأكيد ذلك فى القرار 1518 (2003). علما بأن الأتفاق قد خلى من ذكرها!

إن هذه القضية من الخطورة بمكان فقد تعرَضت للنهب والتهريب أموالا طائلة ووضعت بأسماء وشركات موهومة لدى مصارف دول مختلفة وأمكن حمايتها وتجمبدها بواسطة إجرءآت مجلس الأمن (لاسيّما حسب الفقرة 23 /ب من القرار1483).

وحيث أن الأتفاق الأمنى لم يتطرق لهذا الموضوع فأن مصير هذه الأموال مقلق. ونود بهذه المناسبة أن نشير على سبيل المثال ما أوردته

فى 26/08/2008 صحيفة (السويسرية ) وجاء فيها ما يلى: LE TEMPS

”قام أحد أقطاب نظام صدام حسين ومؤسسة !!” مهتمة بالحصول على أموال محجوزة فى سويسرة بالطعن بقرار للمحكمة الفيدرالية التى ردت مطالبتهم باستحصال مبلغ محجوز لدى أحد المصارف السويسرية بمقدار (300 مليون فرنك). فميٌزوا عند المحكمة الأوروبيية لحقوق الأنسان. علما بأن المحكمة الفيدرالية (حسب الصحيفة) كانت قد أمهلت المسؤل السابق للمخابرات العراقية والشركة إلى منتصف حزيران الماضى لتقديم طلب لحذف أسمائهم من القائمة السوداء للأمم المتحدة. هذا مثال لقضايا لا تحصى فكيف ستتم معالجتها, كل هؤلاء بانتظار الفرصة. فكيف سيعالج مجلس الأمن الأمر؟

4) ألتزمت الولايات المتحدة بمساعدة العراق بشأن طلبه إلى مجلس الأمن “لمد الحماية والترتيبات الأخرى بشأن البترول ومنتجات البترول والغاز الطبيعى والموارد والألتزامات الناشئة عن هذه المبيعات, وصندوق التنمية للعراق”. وفق قرارى مجال الأمن 1483-2003 و1546-2003. مسألة التعاون الأمنى أو (حسب المادة 27 من الأتفاق): “ردع المخاطر الأمنيه”:

المقصود هنا بالطبع هو الدور الأستراتيجى والعسكرى الذى ستلعبه الولايات المتحدة من خلال هذا الأتفاق وبالطبع وفقا لمصالحها (وبعد أن كانت دولة احتلال). فمن ناحية من الممكن القول بأن بلدا منهارا وضعيفا ومهددا بالطامعين من مصلحته التحالف مع دولة قوية كالولايات المتحدة, ومن ناحية أخرى أن هذه الدولة لايهمها سوى مصالحها وأهدافها بالنسبة لبلد ذى ثروات هائلة وموقع استراتيجى حيوى.

ليست هذه هي المرة الأولى التى يقع فيها العراق بمثل هذا الموقف الصعب كما وأنه ليس بالوحيد فى مواجهة مثل هذا التحدٌى. ودروس التأريخ تثبت أن صلابة الشعوب وإخلاص حكّامها هى الضمان الوحيد للصمود.

وضمن نطاق هذا الواقع نعود لتحليل بنود المادة (27):

­­1) فى حالة وقوع تهديد خارجى أو داخلى أو عدوان على العراق وبناء على طلب من الحكومة العراقية يقوم الطرفان فورا فى مداولات استرتيجية بكل ما ” من شأنه صيانته من أى “أنتهاك لسيادته أو أستقلاله السياسى أو وحدة أراضيه أو مياهه أو أجوائه أو تهديد نظامه الديمقراطى أو مؤسساته المنتخبة”. ثم تضيف المادة: “وتتخذ الولايات المتحدة الأجرءآت المناسبة ( ديبلوماسية أو إقتصادية أو عسكرية)”

يكفي إذن مجرد طلب من الحكومة العراقية لفتح طريق واسع بل وشبه منفرد أمام “الولايات المتحدة” لتتخذ “الأجرآت المناسبة”!. وتبقى المسألة إذن خاضعة للظروف ولاعتبارات المصالح وحسن النوايا.

2) وللفقرة الثانية من هذه المادة أهمية خاصة:

إنها تشدد على: “التعاون الوثيق فى تعزيز وإدامة المؤسسات العسكرية و الأمنية والمؤسسات السياسية والديمقراطية” فى العراق…, “من أجل مكافحة الأرهاب المحلى والدولى والجماعات الخارجة عن القانون”.

هذه إذن تعابير شاملة ولا مجال الآن لتخمين مداها. ومنها يمكن أن نستشف جو الشروط المطروحة (إن لم نقل المفروضة) من قبل المفاوض الأمريكى الذى كان يتمتع بامتياز الأنفراد بطرح المسودٌات المتعاقبة للأتفاق.

ونلاحظ فى النص العربى بعض الإبهام. فبينما هو يشير إلى “…إدامة المؤسسات العسكرية …ألخ ..فى العراق…” فلعل من الأدق أن يصار للنص الأنكليزى ألذى يمكن أن يفهم منه بأنه يشير بشكل أوضح “إلى تقوية وصيانة المؤسسات (العراقية) العسكرية والأمنية”.. دون إبهام.

3) نصَت الفقرة الثالثة على عدم “جواز استخدام أراضى ومياه وأجواء العراق ممرا أو منطلقا لهجمات ضد دول أخرى”

جاءت هذه الفقرة لحرص العراق على تطمين جيرانه من أى عدوان ينطلق من العراق. ومع ذلك فإن التطمين المتبادل الحقيقى يأتى من الممارسات والتطبيقات العملية. فالعراق الآن مرتبط بمعاهدة دفاع مع الولايات المتحدة ضد أى إعتداء ومن ضمن ذلك “الأرهاب الدولى والداخلى”.

والضمان الأكيد هو ترسيخ الثقة والتعاون مع الدول المتجاورة دون حاجة لتدخُل أجنبى.

المادة الثامنة والعشرون :المنطقة الخضراء:

تنص هذه المادة على المسئولية الكاملة للحكومة العراقية عنها إعتبارا من نفاذ الأتفاق. ومع ذلك فلها أن تطلب الدعم المؤقت والمحدود من قوات الولايات التحدة لأمن المنطقة. وحين ذاك يتمُ العمل بصورة مشتركة لهذا الغرض.

تدلّل هذه المادة على عدم قدرة القوات العراقية لحد الآن على حماية هذه المنطقة الحساسة وحيث تتركز الأجهزة الرئيسية للدولة ومنهم الحكام والمؤسسات الأساسية الأمريكية والديبلوماسية. ومن الممكن القول أن هذه المادة تمثل ضمانا للحكام . ولعله قد كان من بين وسائل الضغط عليهم.

تعقيبات أساسية على هامش الأتفاق وجذوره

لم يكن هذا الأتفاق بمعزل عن الأحداث التى مرّت بالعراق منذ احتلال الكويت وما تعرّّض له منذ ذلك الحين, ودور القرارات القاسية لمجلس الأمن فى المآسى العراقية. وإذن ومن أجل فهم موضوعى للأحداث لابدٌ من تعريج سريع على بعض العوامل المتصلة بها خصوصا الأساسية منها والمرتبطة أو الممهدة بشكل مباشر أو غير مباشر للأتفاق.

أولا: دور قرارات الحظر الأقتصادى: _القرار 661: بينما فرض هذا القرار حضرا أقتصاديا شاملا على العراق فأنه نص على إستثناء غريب: فقد نصَ على ما يلى: “بأن هذه الأجرءآت (أي بالنسبة للحظر) لاتشمل الأمدادات المخصصة بالتحديد للأغراض الطبية والمواد الغذائية المقدمة فى ظروف إنسانية. وهذا يعنى أن القاعدة بالنسبة لهذا القرار هو حظر الغذاء والدواء إلا حسب الضرورات الأنسانية. وهذا يناقض تماما قواعد القانون الدولى الأنسانى الذى يحظر حرمان السكان المدنيين من الدواء أو الغذاء فى كل الظروف بل ويلزم الأطراف المتنازعة بتسهيل مرورها بل ويعتبر التجويع بمثابة جريمة خطيرة ضد الأنسانية. ولا يمكن التصديق بأن قرارات مجلس الأمن يمكن أن تكون سندا يبرّر جرائم ضد الأنسانية.

ثم إن المادة الحادية والأربعين من الميثاق (وهى نص إستثنائي لايجوز التوسع به) يشير إلى إمكانية “وقف الصلات الأقتصادية” ولا يتوسع لحدِ إجازة الحظر الدوائى والغذائى وإخضاعه لشروط إستثنائية بل وتعجيزية. كما لم يرخٌص لهذه الدولة أو تلك مهما كانت قوتها بأن تقوم بدور الشرطى لمنع وصول تلك المواد بحجة “وقف الصلات الأقتصادية”.فلها أن تتصرف بالنسبة “لصلاتها” دون التدخُل بما يخص الدول الأخرى.

لقد شهد العالم ما سبّب مثل هذا الحظر من ملايين الضحايا. وبدون شك فإن الدول المجاورة بالذات تتحمل مسئولية إنسانية وقانونية خاصة, لاسيَما وأن دولا معينة وفى حالات مماثلة قد رفضت الأنصياع لمثل هذا القرار محتجة بمبادئ القانون الدولى الأنسانى (مثال روسيا بالنسبة لصربيا).

وإضافة لذلك إن القرار 666 (13 أيلول 1990) قد نصّ على ما يلى: أن المجلس هو الذى يحدد وحده أو من خلال اللجنة ما إذا كانت قد نشأت ظروف إنسانية !!,

ثم جاء القرار 670 (25 ايلول 1990) حول الحظر عن طريق النقل الجوى إلا فيما يخص

”الأغذية فى الظروف الأنسانية !! وبإذن لجنة مجلس الأمن المنشأة بموجب القرار 661 …” وإذن فإن المجلس يصرُ على ذات السلوك اللامشروع بأن عكس القاعده الأنسانية, فجعل الحظر الدوائى والغذائى قاعدة لا يجوز تجاوزها (إلا استثنائا بأذن من قبل لجنة خاصة), خارقا بذلك القانون الدولى الأنسانى الذى يمنع حرمان السكان المدنيين من الدواء والغذاء فى كل الظروف ويعتبر ذلك جريمة ضد الأنسانية

ثانيا: لجنة ا لتعويضات:

سبق لنا أن أشرنا إلى المادة السادسة والعشرين / ب من الأتفاق ولاحظنا أنه يشير إلى مطالبات التعويض التى “لم يتم البت فيها بعد..” وبيّنا أن ما تمّ البت به قد حمّّل العراق مبالغ هائلة, خصوصا وأنها قد فرضت فى ظروف إستثنائية ووفق أساليب تتنافى مع المبادئ الأساسية المقّرة دوليا. وبسبب تشابك الأحداث ومسبباتها لابد لنا من التوقُف عند دور هذه اللجنة ومدى شرعية قراراتها .

1): لقد نصت الفقرة 16 من قرار مجلس الأمن رقم 687 عام 1990 على مسئولية العراق على أية خسارة أو ضرر مباشر نتيجة دخول الكويت ..وطلبت من الأمين العام تقديم توصيات حول أنشاء صندوق لهذا الغرض.

لقد اعتمدت التوصيات ( لأول مرة فى التعامل الدولى) مبدأ البت من قبل اللجنة بالمطالبات الفردية المترتبة على المنازعات الدولية. فالمعروف أن مثل هذه التعويضات تحسم بين الدول ذات الشأن ضمن تسويات شاملة, من خلال اتفاقيات دولية وتتولى كل دولة معنية تسوية التعويضات الخاصة بها بالنسبة لمواطنيها.

2): إن إدخال الأدعاءات الفردية ضمن اختصاص اللجنة امر خطير لأنها لا تتبّع المبادئ المستقرة قضائيا ودوليا, وهى جزء لايتجزأ من النظام العام الدولى .

ُ3): لاشك ان هذه اللجنة عبارة عن هيئة إدارية تمارس أعمالا قضائية طالما أنها تحسم مطالبات فردية, ولكنها لاتتبع الأصول والقواعد الواجب اتباعها قضائيا. فهى تحرم الطرف المدعى عليه من حق الحضور والدفاع والأستئناف وحق المساواة فى المعاملة ومبدأ إستقلال القضاة وإمكانية عزلهم. وهى مبادئ ثابتة ولا يجوز خرقها فى أى حال من الأحوال. بل أن اللجنة ذهبت إلئ حد رفض طلب العراق للحضور بصفة مراقب. أما التحجٌج بأنها لجنة متفرعة من مجلس الأمن فهى ذريعة واهية إذ طالما أنها تمارس أعمالا ذات طبيعة قضائية فأنها غير قادرة أن تستمد صلاحية قضائية منبثقة من مجلس هو نفسه لا يتمتع بتلك الصلاحية, وفاقد الشيئ لايعطيه. علما بأن القرار الذى شكِلت بموجبه اللجنة (قرار 687) هو من الفصل السابع الخاص ب “حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان”. وكل ذلك لا علاقة له بأية صلاحيات قضائية.

4): وفى كل الأحوال ونظرا لاستناد لائحة إجرءآت اللجنة بالنسبة لحصانتها القضائية (خطأ) على اتفاقية مبرمة بين الأمم المتحدة والدول الأعضاء بتاريخ 13/2/1946 وفى وقت لم تكن فيه سويسرة عضوا فيها, وهى لديها اتفاقية خاصة بها (19/4 /1946). وحيث أن الحصانة إمتياز إستثنائى لا يجوز التوسُع به فان المبادئ الدستورية والقانونية السويسرية لاتسمح بهذا الأسلوب من القضاء. ومن حيث المبدا من الممكن الطعن بقرارات اللجنة, السابقة لانظمام سويسرة للأمم المتحدة وهى تتعلق بمبالغ ضخمة, واللجنة من حيث المبدا لا تتمتع بالحماية الديبلوماسية وفقا لاتفاقية جنيف فى ذلك الحبن. وعلاوة على ذلك فإن الحصانات الديبلوماسية تحمى الديبلوماسيين ومؤسساتهم من إمكانية ألمقاضاة ولكنها لا تمنحهم حق ممارسة القضاء خلافا لقوانين الدولة المظيّفة.

ثالثا: الأصول العراقبة الأخرى:

من المعلوم أن الأصول العراقية تخص أربعة محاور وهى:

1) الديون الدولية “الناتجة عن سياسات نظام الحكم السابق”. وبالنسبة لها فقد أعفت أكثرية الدول العراق من أغلبها (سيّما الدول الأعضاء فى نادى باريس). كما ذكرنا.

بينما رفضت الدول العربية ولاسيّما الكويت والسعودية عن التنازل.

إلا أن المادة السادسة والعشرين من الأتفاق قد نصٌت على أن الولايات المتحدة ستبذل أقصى الجهود “لدعم العراق لأعفائه من الديون الدولية المذكورة”.

لكن القرار المنتظر والذى صدر بتأريخ 22/12/2008 قد أحبط الآمال إذ جاء فيه مايلى:

”وقد لاحظ المجلس فى رسالة رئيس الحكومة العراقية التأكيد على عزم العراق بأن يسدٌد الديون والحسابات الموروثة من النظام السابق ..وإبقاء الموضوع تحت الدرس لحين تصفبة تلك الديون ..”. من الجدير بالذكر أن رسالة الرئيس العراقى المشار إليها والمؤرخة فى 7/12/2008 أكدت بشكل عام على التزام العراق “بالإيفاء بكافة الألتزامات المفروضة عليه بموجب قرارات مجلس الأمن..” (وسنأتى على هذا الموضوع فيما بعد) علما بأن القرار الجديد قد أعد من قبل الولايات المتحدة (وهى طرف الأتفاق مع العراق وصاحبة التعهُد الذى أشرنا إليه أعلاه) بالآضافة لبريطانيا. ومن السابق لأوانه استخلاص أستنتاجات حاسمة من هذا الموقف الأمريكى, ولو أنه يدعو لبعض الحيرة, ونرجو أن لايكون المقصود منه المزيد من الضغط على العراق لاعتبارات أمريكية.

ومن المحزن من ناحية أخرى تثبيت الحقيقة بصدد موقف دول جارّة لابد لها أن تتعامل بنظرة بعيدة مع قضية خطيرة تتطلب الحكمة بالنسبة لضرورة غسل القلوب ومراعاة مصالح الأجيال القادمة . وٍمع ذلك لا بد لنا من تعريج سريع على جذور وتشابك ألظروف والمساهمات فى هذه القضية: لا مجال لأخفاء ضخامة الدعم المالى والسياسى والأعلامى من قبل الكويت والسعودية وخصوصا تقديم أموالها الضخمة لتسليح جيش النظام السابق بحجة ما كان يسمى بالدفاع عن البوابة الشرقية لمواجهة إيران والخوف من “تصدير مبادئ الخمينى”, مما أدى إلى تشجيع النظام السابق على مواصلة الحرب مع إيران. ولا ريب أن ذلك الدعم كان بمثابة تحريض وشراكة (حسب المبادئ العامة للقانون) لابدّ من تحمّل مسئوليتها. وعند الأوان لا مفرٌ من إثارة هذه الحقيقة إذا أصرّت الجارتان على موقفهما. وذلك ببسط الأمور على حقيقتها لتحديد ما لكل بلد وما عليه. وهى الوسيلة الوحيدة لضمان الأمن والسلام فى المنطقة.

2) الأموال العراقية الموجودة فى صندوق التنمية للعراق وقد تعهّد رئيس الولايات المتحدة لممارسة صلاحياته الدستورية لتوفير الحماية من العمليات القضائية الأمريكية.

3) التعويضات عن حرب الكويت: وقد سبق أن تطرقنا إليها. وعن مدى شرعية فرضها من قبل لجنة لا تتقيّد بالمبادئ الأساسية القضائية اللآزمة لتحقيق العدالة.

4) الأموال المهربة من العراق من قبل صدام حسين والمسؤلين فى النظام العراقى السابق:

لقد سبق أن قرر مجلس الأمن فى قراره 1483 / 22/ 5/ 2003 حصانة قضائية مع تجميد الملاحقات بشأنها. وقد أكد القرار الأخير 1895 / 22_12_2008 ف/2 ذات الحصانة علما بان ذات المجلس كان قد أنشأ لجنة خاصة (القرار 661/ 1990) لأعداد قائمة بأسماء المعنين. وقد تم تجديد القائمة وفقا للقرارات 1483 و 1518 و 1546 (عام 2003), وقد جاء القرار الأخير (1859) ليؤكد فى فقرته الأولى ذات المبدأ.

رابعا: الأتفاق حول الأنسحاب الأمريكى والقانون العراقي الموازى

بينما وافق مجلس النواب العراقى على الأتفاق المذكور. وتطمينا للأطراف المعارضة فقد تبٌنى بعين الوقت قانونا يثير الأستغراب لولا أنه كان يمثّل صفقة لأرضاء بعض الأطراف.

وبعد أن قمنا باستعراض ما بدا لنا من نقاط أساسية فى الأتفاق نود التعقيب على القانون الصادر بشكل موازى له:

1) لقد نص هذا القانون على إجراء إستفتاء عام فى موعد أقصاه 30 تموز 2009 حول الأتفاق. ومن المستغرب أن يستفتى الشعب على إتفاقية بعد التصديق عليها. ثم ماذا ستترتب من نتائج فى حالة الرفض؟ لا بد أن يكون للرضاء الأمريكى الضمنى من أسباب خاصة بها. علما بأن القانون قد حدّد مدة ستة أشهر للأستفتاء. وإذا افترضنا أن الأتفاق قد يرفض, فأن “انتهاء العمل بالأتفاق المذكور يتم بعد سنة من استلام الطرف الآخر إخطارا خطيا بذلك”. ووفقا لذلك وفى حالة رفض الأستفتاء للأتفاق (بعد ستة أشهر مضافا إليها السنة اللآزمة) فيكون مجموع المدة (18 شهرا). وهى مقاربة للمدة التى حدّدها الرئيس المنتخب باراك اوبوما لخروج القوات الأمريكية من العراق. أى أن حالة الرفض الأفتراضية ستتوافق مع حسابات أوبوما للأنسحاب وفى كل الأحوال لن تتأثر الخطط الأمريكية فى أمر الأنسحاب. أما بالنسبة للعراق فإن لرفض الأتفاق بالأستفتاء نتائج لا يمكن تقديرها الآن. (أهى المصادفة أم التوافق ؟!)

2) وبينما ذكر القانون أمورا تتعلق أحيانا ببعض بنود الأتفاق بشكل مباشر او غير مباشر (أتخاذ إجرءآت عملية لأخراج العراق من البند السابع.. حماية الأموال والمبيعات النفطية…حصر دور القوات العراقية والأمريكية فى الدفاع عن الأمن ومحاربة الأرهاب والخارجين عن القانون… ألخ), فأنه أدخل تفاصيل لا صلة لها مطلقا بالأتفاق وتتعلق بأمور داخلية محضة كان الأولى معالجتها بقانون منفصل ليست له أية علاقة موازية مع الأتفاق. ونتطرق سريعا لأهمها:

_ إطلاق سراح جميع الموقوفين الذين شملهم قانون العفو ..الخ.

_إجراء التعديلات على الدستور النافذ..

_ أحترام مبدأ المشاركة والتوافق…!

_ احترام اختصاصات وسلطات الحكومة الأتحادية وحكومة الأقليم والحكومات المحلية..!!

_ إجراء التوازن العام ! خصوصا فى المؤسسات الأمنية والأقصادية والخارجية.. الخ!

_ متابعة التحقيق فى القضايا التى تخص حقوق الأنسان .. الخ.

_ إنهاء ملف المهجرين .. الخ

_ إستيعاب الصحوات وشمول أفرادها وفق برنامج القوات المسلحة..الخ,

_وكذلك الأمر بالنسبة للمجاميع التى ألقت السلاح أو المستعدة لذلك.. الخ.

_ ضمان نزاهة القضاء واستقلاليته.. ألخ.

­­_حسم الخلاف حول موضوع إصدار المراسيم الجمهورية في تنفيذ أحكام الأعدام .. الخ.

هذه إذن أهم أحكام القانون المذكور..ولكن:

أما كان الأجدر أن تصدر بقانون لاعلاقة له باتفاق الأنسحاب؟!! (لقد سبق لنا أن اقترحنا فى بداية هذا البحث إصدار قانون موازى وبعد ذلك وخلال إعدادنا للبحث تمّ تبنى الأتفاق مع قانون مواز يختلف عن وجهة نظرنا. ومع ذلك فقد ارتأينا إبقاء مقترحنا الوارد فى الصفحة (2) كما هو للمقارنة واستكمالا للفائدة …).

خامسا: من أجل المستقبل: ماذا بعد الآتفاق؟ / أ) ماذا مع الولايات المتحدة؟)

بعد أن تمّ إبرام الأتفاق حول الأنسحاب فمن حيث المبدأ تحولت العلاقة بين العراق والولايات المتحدة من علاقة احتلال إلى علاقة تعاقدية بين دولتين مستقلتين. ومع ذلك ومن اسقرائنا للأتفاق ولقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة لا بدّ من إبداء بعض الملاحظات:

1) سبق أن بيّنا أن الجانب الأمريكى وبطرق معقّدة قد استطاع عمليا فرض حماية قضائية كاملة “لأفراد القوات المسلحة الأمريكية وأفراد العنصر المدنى”. وعلى الرغم من النص على الولاية العراقية بالنسبة للمتعاقدين, مع الولايات المتحدة ومستخدميهم, فأن اختلاطهم مع أفراد العنصر المدنى قد يكون واردا. وهو أمر خطير خصوصا بالنسبة لأفراد الشركات الأمنية فى ضوء سوابقها,

2) تطرقت المادة الخامسة والعشرون إلي “إعلان مبادئ حول علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد” الذى وقع عليه رئيس جمهورية الولايات المتحدة ورئيس وزراء العراق يوم 26 نوفمبر 2007 ونظرا لعدم إطلاعنا على هذا الأعلان فأننا لا نستطيع تقدير ما يمكن أن تترتب عليه من التزامات إضافية. وهل تمّ تقديمه للبرلمان.

3) لقد نصت المادة السادسة والعشرون /ف من الأتفاق على ما يلى: “.. تضمن الولايات المتحدة الأمربكية بذل أقصى الجهود فى سبيل: دعم العراق لأعفائه من الديون الدولية الناتجة عن سياسات الحكم السابق”.

لابد لنا هنا من الأشارة آلى ما تم تبنّيه فى قرار مجلس الأمن الأخير (1859 -2008) من أن رئيس”الحكومة العراقية قد أكد عزم الحكومة على تسوية الديون والأصول الموروثة” من النظام السابق, وقرر المجلس إبقاء الموضوع تحت الدرس لحين تصفية هذه الديون والأصول… ألخ.

من المعلوم أن كتاب رئيس الحكومة العراقية المشار إليه لم ينص بهذه الصيغة على مثل هذا الألتزام. فقد ورد فى كتابه ما يلى “إن العراق قد ورث ديونا والتزامات كثيرة من النظام السابق ولابد من وقت طويل لتصفيتها .. ونحن نتوقع من المجموعة الدولية مساعدتنا فى

إبقاء الحمايات والترتيبات الحالية الخاصة بالنفط والمنتوجات النفطية والغاز الطبيعى لكى تستطيع الحكومة العراقية اتخاذ الوسائل اللازمة لتصفية الديون والألتزامات الموروثة من النظام السابق. إن تصفية هذه الديون يمكن أن تؤدى إلى تأثيرات على إعادة الأعمار والتحوٌل الأقتصادى فى البلد. وإن مسألة تصفيتها تشكل تهديدا خطيرا للأمن والأستقرار في العراق, وكذلك للأمن والسلام العالمى” (النص مترجم عن الفرنسية…كتاب المالكى فى 7_12_2008). لاشك أن الفارق واضح بين النصين, أن قرار المجلس لم يتقيد بالموضوعية وعدم الأنتقائية.

ولكن لابد من التذكير بان الدور الرئيسى لأعداد مسودة هذا القرار كان للولايات المتحدة (مع بريطانيا),وذلك رغم الوعود الواردة فى المادة (26 /ف أ) من الأتفاق حول دعم العراق لأعفائه من ديونه الدولية!.

هذا موقف يستحق التوقٌف خصوصا بالنسبة لاتفاق لم يجف حبر التوقيع عليه بعد.

ب) ما دور مجلس الأمن فى هذه المرحلة: بعد القرار (1859)؟… اين نحن من الأنتهاء من الفصل السابع؟:

لقد كانت تراود الأذهان قبل التوقيع على الأتفاق وصدور قرار مجلس الأمن الأخير وعود وأوهام حول انتهاء خضوع العراق للفصل السابع وانتهاء الديون الدولية.

أما بالنسبة للفصل السابع فقد أعاد القرار (1859) تأكيد استمرار تطبيقه فى أكثر من مكان.

فقد أعاد فى عبارته الأخيرة السابقة للفقرات الأجرائية ترديد: “..ومتصرفا وفق أحكام الفصل السابع..” ثم عاد فى الفقرة (6) ليؤكد بأنه “يبقى بنشاط مختصا بالموضوع”

وفى الفقرة (5) منه “يقرر درس كافة قراراته الخاصة بالعراق وبدأ بالقرار (661-1990 ). ولأجل ذلك يطلب من الأمين العام بأن يقدم تقريرا دوريا, بعد التشاور مع العراق, كل ثلاثة أشهر حول الوقائع التى تسمح له باتخاذ الوسائل اللازمة التى تسمح للعراق باستعادة كيانه الدولى الذى كان يتمتع به قبل تبنى تلك القرارات ..!” وإذن: فالأمر واضح:

حسب هذا القرار أصبحت “استعادة العراق لكيانه الدولى خاضعة للوسائل التى يتخذها المجلس فى ضوء القرارات الدورية للأمين العام..” أى أن سيادة العراق (أو كيانه الدولى) يبقى ناقصا حتى إشعار آخر….لاشك أن نصوص هذا القرار تثبّت بقاء العراق تحت الفصل السابع.

وأما بالنسبة للديون الدولية فقد سبق أن تطرقنا للكيفية التى عالجها بها القرار المذكور, وذلك بتثبيت إلتزام العراق بتصفيتها رغم الوعود الأمريكية (وفق الأتفاق) حول إالغائها.

’ونشير بكل أسف واندهاش إلى تصريح وزير الخارجية العراقى (بعد التصويت) الذى تجاوز به حتى كتاب رئيس الحكومة حيث قال: “ولحين انتظام الموقف فى العراق وتصبح الحكومة العراقية قادرة لاتخاذ الوسائل اللازمة التى التزمت بها لتسوية موضوع الدين والتعويضات ..ألخ”. من المعلوم أن العراق يعترض على مبدا تسديد الديون وهو موعود بذلك ويطالب بألغائها. لقد كان الأجدر بوزير الخارجية (بعد تصويت المجلس) أن يذكّر ويؤكّد بشكل خاص على المواقف التقليدية السابقة والمثبتة فى الكتب التى سبق أن أرسلها رئيس الوزراء ولا سيّما:

الكتاب الذى أرفق بالقرار 1723 (2006): وقد ورد فيه “بأن الوقت قد حان لوضع حد لتعويضات الحرب التى فرضت على العراق, …”.

ثم الكتاب الذى أرسل وأرفق بالقرار 1790 (2007) وجاء فيه “أن الحكومة العراقية تطالب مجلس الأمن بأن يعيد النطر بقراراته الخاصة باستقطاع 5% من مدخولاته النفطية لدفعها إلى لجنة التعويضات بموجب القرار 687 (1991) والقرارات اللاحقة” ثم ما أكّد عليه فى كتابه الأخير ألمرفق مع القرار (1859) وجاء فبه أن “تصفية الديون تشكّل تهديدا خطيرا للأمن والأستقرار فى العراق وكذلك للأمن والسلام العالمى…”. كان الأولى بالوزير العراقى أن يقوى هذا الخط الرسمى بدلا من إضعافه. وأن يؤكد خصوصا على التعهُد الأمريكى الوارد فى الأتفاق الأمنى (مادة 26 فقرة أ): دعم العراق لأعفائه من ديونه الدولية ..)

كل هذه المواقف كان من اللازم تثبيتها من قبل الوزير العراقى خصوصا بعد الموقف الأخير المتشدد وغير المتوقع من قبل مجلس الأمن (1859/ 2008)

ومن الجدير بالأهتمام أقوال مندوب إيطاليا بمناسبة شرح تصويته حيث قال السفير (دى سانتا كاتا ): “لا بد من دراسة القرارات المختلفة لمجلس الأمن والتى تستهدف السماح للعراق لكى يستعيد دوره على الصعيد الدولى وذلك بعناية فائقة آخذين بنظر الآعتبار تعقبدات النتائج القانونبة لهذا النص.!!” (أى قرار المجلس الأخير). هذا تحذير ناضج وبليغ وكم كان الأولى بالوزير العراقى أن يحذو حذوه

ج) ثم ماذا بعد إنتهاء مدة القرار (1859)بعد عام 2009؟

هل سيتم تجديده وهل سيستمر العراق بالخضوع لنفس الشروط؟

ماذا بالنسبة للأموال النفطية العراقية؟

ماذا بالنسبة لشروط القرار (1859) حول الديون العراقية السابقة؟

ماذا بالنسبة لصندوق إعمار العراق وإدارته؟ وخصوصا مصير وأسلوب التصرُف بأمواله وحمايتها؟

د) وماذا بعد انتهاء الأتفاق (نهاية عام 2011)؟

_سوف لن نعود على الإحتمال الأفتراضى فى حالة رفض الأتفاق نتيجة الأستفتاء. صحيح _ بالنسبة للولايات المتحدة _ لابد أنها حسبت حساباتها ولكن ماذا سيكون الأمر بالنسبة للعراق فى حالتى الأنهاء (بالأستفتاء) او بالأنتهاء بعد مدته؟

هل ستكون لديه قوة قادرة على تأمين السلام والأسقرار؟ وكيف ستكون تصرفات دول الجوار ومواقفها من الشأن العراقى, وخصوصا بالنسبة لتدفّق الأرهابيين من حدودها؟

هل ستبقى وحدة البلاد صامدة أمام التيارات الرامية للتقسيمات الأقليمية والطائفية والفئوية؟

ماذا سيكون المصير بعد الأنتخابات الأقليمية والعامة؟

كيف سيعالج موضوع تعديل الدستور؟

كيف ستتم معالجة الأرهاب والفساد بعد أن تصدّر العراق قائمته

العالمية؟

هل ستظل الأموال العراقية فى الولايات المتحدة محميّة بفضل ضمانات الرئيس الأمريكى وصلاحياته؟ وماذا سيكون مصيرها؟ وبأى ثمن سيستمر الرئيس الأمريكى باستعمال صلاحياته لحماييتها؟

وهناك أمر حيوى لا بد من مواجهته بكل مسئولية .. أجل ان مقتضيات المصالح الأمريكية ستحتم إستراتيجية جديدة بالنسبة للوجود العسكري الأمريكى فى العراق وفقا للضرورات الأمربكية المحلية والدولية. وبالفعل فقد بدأت القوات الأمريكية باستراتيجية جديدة لتقليص أضرارها البشرية. وقد نجحت لحد ما بذلك. ثم أن الدروس المستخلصة من التدخلات الأمريكية فى منازعات دولية أخرى واضطراب معالجاتها وانسحاباتها لا تبعث الأطمئنان.

وإذن: فإن انتهاء الأتفاق الأمنى سوف لن يعنى انتهاء الأهتمامات الأمريكية بالنسبة للعراق. لا بد إذن من مرحلة جديدة من العلاقات.. وهذا هو التحدّى المقبل الذى سيواجه العراق ومسئوليه. ونود التأكيد بشكل خاص على ما يلى ستعمل الولايات المتحدة على إبقاء قواتها فى قواعد عسكرية ضخمة. (وهذا هو ما بصدد تنفيذه حاليا) هل هناك اتفاق حول ذلك؟ هناك قرائن مهمة حول الموضوع, ولكن لاعلم لدينا بتأكيد واضح وصريح.

وإذن ليس لدى العراق حاليا من بديل لعلاقات خاصة تتميّز باليقظة والحذر مع الولايات المتحدة, فظروفه المحلية والأقليمية والدولية لاتسمح بتفادى هذا الأمر. وقد تكون التجربة التركية جديرة بالتبصّر. فى تركيا قواعد أمريكية ولكن لديها برلمان سبق أن وقف بوجه طلبات أمريكية. ثم هناك قواعد أمريكية منتشرة فى دول مستقلة كثيرة فى العالم. ويبقى الضمان الأكيد بين يدىّ مسئولين أمناء حريصين على مصالح شعبهم.

ويعود الأمر ليقظة شعب قادر على مراقبة ومحاسبة مسئوليه الذين عليهم أن يفهموا بأن السلطة ليست مجرّد نفوذ وامتيازات بل هى أمانة ومسئولية أمام الله والشعب. وأن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.

وختاما: وبعدكل ما استعرضنا أليس من الأنصاف أن نختم بسؤال لامفرَ منه؟

بعد معاناة الشعب العراقى من مهالك نتيجة لدفعه لحروب هائلة وثبوت مساهمة دول عديدة للدفع لها.

وبعد تدمير العراق بأبشع الآسلحة المحرَمة دوليا.

وبعد حصار إقتصادى وخصوصا دوائي وغذائى أدّى إلى قتل الملايين, ويشكل بدون شك جرائم ضد الأنسانية.

وبعد أن عانى من الحرب الأخيرة حيث اعترف المسئول الرئيسى عنها بأنه قد أخطأ بشأنها بسبب معلومات خاطئة لمؤسساته الأستخبارية, علما بان قواعد القانون الدولى الجنائى تجمع على مسئولية الرئيس عن أفعال مرؤوسيه. وبعد ما أكدّه السيد بليكس المدير العام السابق للجنة الطاقة الذرية بأنه تعرّض لضغوطات من أجل تحريف تقارير اللجنة حول الأسلحة المحرّمة وما أعاد تأكيده السيد ريتر المفتش الأمريكى السابق من خلال تلفزيون “العربية”.

وبعد الجرائم البشعة من تعذيب فى أبو غريب ألى جرائم الشركات الأمنية فى قتل السكان المدنيين .. وكل ذلك بدون عقاب بحجة الحصانة القضائية. علما بأن كل هذه الآفعال تشكل جرائم ضد الأنسانية.بعد كل هذا:

فألى متى إذن يبقى الشعب العراقى ملاحقا؟

لدفع تعويضات مفروضة من قبل لجنة لا تمتلك أدنى صلاحيات وضمانات المبادئ الأساسية للقضاء.

ولدفع ديون لشركاء فى حرب ساهموا أما بالتشجيع والتحريض عليها أو بدور المساعدة بفضل ما قدموه من اموال من أجل السلاح خدمة لحساباتهم الخاصة, وليس لعيون العراقيين.

وإذا كانت البديهيات القانونية تقضى بأن المسئول عن الضرر مسئول عن التعويض,.. فهل على الشعب العراقى أن يدفع التعويضات المفروضة عليه دون المطالبة بالتعويضات عن الأضرار المهلكة التى أصابته من أعمال الآخرين كفاعلين أصليين أو كشركاء؟

لقد دفعت ليبيا مثلا مبالغ هائلة لأهل ضحايا طائرة جرى تحطيمها. فلماذا لا يستحق ضحايا العراق أى تعويض عن الأضرار التى لحقت بهم؟

أما آن الأوان أن تطرح هذه القضية بأعلى صوت؟ إذ كفى أبتزازا للعراق, خصوصا من قبل أولئك الذين ما زالوا يلاحقون هذا الشعب البريئ بمطالباتهم المشتبه بها.

كفى ابتزازا للظرف القاسى للعراق.. وكفى أن يقوم العراق بدور الملتمس بينما له كل الحق بدور المطالب. وقد آن الأوان لأخذ العظة من أجل الأجيال وإلا فليس لنا إلا أن نعود ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.

د.إقبال ألفلّوجى

26

Comments are closed.